الخميس، 11 أبريل 2019

آلاف ينزحون عن ديارهم في طرابلس مع احتدام المعارك على مشارف المدينة

اشتبكت قوات شرق ليبيا (الجيش الوطني الليبي) مع قوات موالية للحكومة في طرابلس على مشارف العاصمة يوم الأربعاء بينما أجبرت المعارك آلاف السكان على الفرار من ديارهم.

واتخذت قوات الجيش الوطني الليبي بقيادة خليفة حفتر مواقعها في الضواحي على بعد حوالي 11 كيلومترا إلى الجنوب من وسط العاصمة، بينما تسد حاويات معدنية وشاحنات خفيفة مزودة بمدافع رشاشة طريقها إلى المدينة.

وأوضح سكان أن طائرات الجيش الوطني الليبي تحلق في سماء طرابلس بينما أطلقت مدافع مضادة للطائرات النار تجاهها.

وعلى الأرض، قال شهود إن قوات حفتر تشتبك مع القوات الموالية لرئيس الوزراء فائز السراج عند المطار الدولي السابق للمدينة وفي بلدة عين زارة.

وتمكن أشخاص من سماع دوي إطلاق النار والانفجارات والتي استمرت حتى اقتراب المساء.

وقالت الأمم المتحدة إن ما لا يقل عن 4500 من سكان طرابلس نزحوا،وإن معظمهم يبتعد عن مناطق القتال إلى أحياء أكثر أمنا بالمدينة. وأضافت أن كثيرين آخرين محاصرون.

وزحفت قوات الجيش الوطني الليبي من معقلها في شرق ليبيا للسيطرة على الجنوب ذي الكثافة السكانية المنخفضة والغني بالنفط في وقت سابق هذا العام، قبل أن تتجه قبل أسبوع نحو طرابلس حيث تتمركز حكومة السراج المعترف بها دوليا.

وليبيا منقسمة بين حكومة تتمركز في شرق البلاد وأخرى في غربها بعد الإطاحة بمعمر القذافي عام 2011. وحكم القذافي البلاد على مدى أكثر من 40 عاما قبل أن تطيح به انتفاضة دعمها الغرب.

ومنذ ذلك الحين تتصارع فصائل سياسية ومسلحة على النفوذ والسيطرة على الثروة النفطية، وانقسمت البلاد إلى إدارتين متنافستين تتحالف كل منهما مع جماعات مسلحة بعد معركة للسيطرة على طرابلس عام 2014.

تريد الأمم المتحدة الجمع بين الطرفين للتخطيط معا للانتخابات والخروج من الفوضى وناشدتهما وقف إطلاق النار.

وعقد مجلس الأمن الدولي اجتماعا مغلقا يوم الأربعاء مع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش الذي قال إنه ما زال هناك وقت لوقف إطلاق النار ”لتفادي الأسوأ وهو معركة دموية وكبيرة من أجل طرابلس“.

وقال جوتيريش للصحفيين عقب الاجتماع ”لدينا موقف خطير للغاية وبالطبع يجب أن ننهيه“. ولخص مندوب ألمانيا بالمنظمة الدولية كريستوف هيوسجن الرئيس الحالي لمجلس الأمن الدولي قائلا إن بقية الأعضاء كرروا دعوة الأمين العام لوقف إطلاق النار.

وبينما يستمر القتال، ذكر مكتب مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا غسان سلامة أنه التقى بالسراج وبرئيس البرلمان الذي يتخذ من طرابلس مقرا له لبحث الوضع.

ونشرت قوات حفتر على صفحتها على فيسبوك تسجيلا مصورا تقول إنه يظهر سيطرتها على قاعدة حكومية بحي العزيزية في جنوب طرابلس. وتظهر في الصور، التي لم يتسن التحقق من صحتها، مركبة مشتعلة وجنود يطلقون النار في الهواء ويرددون ”الله أكبر“.

وقال مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إنه يشعر بقلق بالغ إزاء ”الاستخدام غير المتناسب والعشوائي“ للأسلحة والمتفجرات في المناطق المكتظة بالسكان.

وأضاف أن نصف مليون طفل في خطر.

وإلى جانب العواقب الإنسانية، يهدد تجدد الصراع في ليبيا بعرقلة إمدادات النفط وزيادة الهجرة عبر البحر المتوسط إلى أوروبا وإجهاض خطة السلام التي أعدتها الأمم المتحدة وتشجيع الإسلاميين المتشددين على استغلال الفوضى.

وقتل تنظيم داعش ثلاثة أشخاص في بلدة صحراوية نائية تحت سيطرة الجيش الوطني الليبي قبل يومين.

وفي طرابلس، تشير أحدث تقديرات الأمم المتحدة إلى أن ما يقرب من 50 شخصا قُتلوا معظمهم من المقاتلين لكن بعضهم مدنيون ومن بينهم طبيبان. ومن المتوقع ارتفاع عدد القتلى.

وأثرت الأزمة أيضا على عدة آلاف من المهاجرين الذين احتجزوا بعد محاولتهم استخدام ليبيا نقطة انطلاق لعبور البحر المتوسط إلى أوروبا.

وقالت مفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين يوم الثلاثاء إنها نقلت أكثر من 150 مهاجرا، من بين عدة آلاف في المجمل، من مركز احتجاز في جنوب طرابلس إلى منشأة خاصة بها في منطقة آمنة.

وقال مسؤول في مركز الاحتجاز إنه فتح الأبواب يوم الأربعاء وأطلق سراح 150 مهاجرا آخرين للحفاظ على سلامتهم بسبب قرب الاشتباكات.

ودعت الأمم المتحدة والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ومجموعة السبع إلى هدنة والعودة إلى خطة الأمم المتحدة للسلام ووقف زحف قوات حفتر.

لكن مصدرا دبلوماسيا أجنبيا يراقب التطورات قال إن حفتر يقوم بدلا من ذلك بنقل رجال وعتاد من جنوب ليبيا وشرقها إلى قاعدة أمامية في بلدة غريان الواقعة جنوبي طرابلس.

ويصف معارضون حفتر بأنه دكتاتور محتمل على شاكلة القذافي، لكنه يصور نفسه على أنه عدو للتطرف الإسلامي يسعى لاستعادة النظام في ليبيا.

وكان حفتر من بين الضباط الذين ساعدوا القذافي في الوصول إلى السلطة عام 1969، لكن اختلف معه أثناء الحرب مع تشاد في الثمانينيات. وتم أسره على أيدي التشاديين، وأنقذته وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي.آي.إيه)، وعاش لمدة 20 عاما في فرجينيا قبل أن يعود في عام 2011 للانضمام إلى مقاتلين آخرين في الانتفاضة على القذافي.

والحياة الطبيعية مستمرة بقدر ما في طرابلس التي يسكنها نحو 1.2 مليون شخص على الرغم من تفجر الصراع، لكن الأسعار ترتفع والشركات تغلق في وقت أبكر من المعتاد.

وقالت معلمة في طرابلس كانت تأمل في الخروج من المدينة ”لا يهمني من يفوز أو يخسر، أريد فقط النجاة أنا وعائلتي“.

وكان قد أكّد الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر، الذي يقود منذ الخميس الماضي عمليّة عسكريّة باتّجاه طرابلس، السيطرة على معسكر تابع لقوّات حكومة الوفاق الوطني يقع على بعد 50 كيلومتراً من العاصمة.

ويبدو أنّ قوّات حفتر تتقدّم باتّجاه طرابلس عبر محورين، من الجنوب ومن الجنوب الشرقي.

ومن الجهة الغربيّة للعاصمة، تدافع قوّات موالية لحكومة الوفاق عن الطريق الساحلي، فيما تُواجه قوّات حفتر في الشرق مقاومة مقاتلي مصراتة الموالين لحكومة الوفاق.

ويشهد مطار طرابلس الدولي، الخارج عن الخدمة منذ عام 2014، والواقع على بعد 30 كيلومتراً جنوب طرابلس، معارك أيضاً.

وقالت مواطنة من سكّان عين زارة “عادت المعارك من جديد وبقوّة. لا نجرؤ على مغادرة البيت لأنّهم قطعوا جميع الطرق بسواتر ترابيّة. نسمع الآن أصوات قصف قوية جداً”.

وأعلن الهلال الأحمر الليبي أنّ “فريق التدخّل أثناء الطوارئ قام صباح اليوم (الأربعاء) بعمليّة إخلاء للمدنيين المقيمين داخل مناطق الاشتباكات”.

وحتّى الآن، لا يُمكن للمنظّمة الوصول إلا إلى المناطق التي تسيطر عليها حكومة الوفاق الوطني وبشكل متقطّع.

وأكّد الهلال الأحمر على فيسبوك أنّه “تمّ إخلاء 30 عائلة” من بلدتي عين زارة ووادي الربيع الواقعتين نحو الجنوب، “وتمّ نقل البعض منهم إلى مركز إيواء والبعض الآخر إلى ذويهم بسلام”.

وينشر سكّان على مواقع التواصل الاجتماعي أرقام هاتف فرق الإنقاذ أو الفرق المكلّفة إخلاء المدنيّين المعرّضين للخطر.

وتخشى المنظّمات الدوليّة أن يتحمّل السكّان مجدّدًا نتائج العنف في بلد غارق في الفوضى منذ سقوط نظام معمر القذافي في عام 2011.

ونزح نحو 3400 شخص حتى الآن بسبب المعارك، وفق الأمم المتحدة.

وبحسب آخر حصيلة لوزارة الصحة في حكومة الوفاق الوطني أعلنت عنها الاثنين، قُتل حتّى الآن 35 شخصاً على الأقلّ منذ الخميس.

وتقوّض هذه المعارك التسوية السياسية، فيما بدا الثلاثاء أن إرجاء المؤتمر الوطني الليبي الذي كان مقرراً بين 14 و16 أبريل في غدامس أمر لا مفر منه.

وكان مفترضاً أن يسمح هذا المؤتمر، الذي تحضّر له الأمم المتحدة منذ أشهر، بوضع “خريطة طريق” لإخراج البلاد من الفوضى.

وأكّد الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في اتّصال هاتفي مع كلّ من المبعوث الأممي غسان سلامة والسراج على “ضرورة تجنّب التصعيد العسكري في ليبيا وإنهاء الاقتتال بين أبناء الشعب الواحد”، داعيًا جميع الأطراف إلى “التزام التهدئة وضبط النفس وتغليب الحوار”.

وقال الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس ستولتنبرج من جهته إنّ الحلف “قلق للغاية” بشأن تصاعد العنف في ليبيا، داعياً جميع الأطراف إلى “إنهاء القتال كما دعت الأمم المتحدة”. وأضاف “العمليّة العسكريّة الحاليّة والتقدّم نحو طرابلس يزيدان معاناة الشعب الليبي ويضعان حياة المدنيين في خطر”.

يريد حفتر، الذي تدعمه إدارة مقرّها في شرق البلاد وغير معترف بها دولياً، مَدّ سيطرته إلى غرب هذا البلد النفطي، فيما يبسط سيطرته أصلاً على الشرق، وسيطر مؤخراً أيضاً على جنوب ليبيا.

لكن بمواجهة قوات حفتر، تؤكّد القوّات التابعة لحكومة الوفاق الوطني برئاسة السراج أنّها عازمة على شنّ هجوم مضادّ واسع.

واتّهم المتحدّث باسم “الجيش الوطني الليبي” أحمد المسماري حكومة الوفاق الوطني بـ”التحالف مع مجموعات مسلّحة إسلاميّة”.

وقال المسماري في مؤتمر صحافي في بنغازي إنّ “المعركة لم تعد في أيدي السراج، بل أصبحت الآن في أيدي الإرهابيين”، ذاكراً خصوصاً جماعات مسلّحة قادمة من مصراتة (200 كيلومتر شرق طرابلس).

وحذّرت مجموعة الأزمات الدوليّة من أن يؤدّي “انتشار المقاتلين” أو “تدخّل عسكري خارجي” في ليبيا إلى “كارثة إنسانيّة”.

واعتبرت المجموعة أنّ “الجيش الوطني الليبي ليس باستطاعته أن يُسيطر على طرابلس ما لم ينشقّ خصومه أو يهربوا كما حصل في وسط البلاد وجنوبها”.

وذكّرت المفوضة السامية لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة ميشال باشليه “كلّ الأطراف” بـ”ضرورة التزامهم، بموجب القانون الدولي، ضمان حماية المدنيين والبنى التحتية المدنية”.

من جهته، دعا مفوض شؤون اللاجئين في الأمم المتحدة فيليبو جراندي إلى “تجنُّب استهداف المدنيين، خصوصاً اللاجئين والنازحين العالقين” في ليبيا.

بدورها قالت منظّمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسيف) إنّ “نحو نصف مليون طفل في طرابلس وعشرات آلاف الأطفال في المناطق الشرقية” مهدّدون “مباشرة”.

المصدر : رويترز – أ ف ب



اخبار عربية

0 التعليقات:

إرسال تعليق